
كنت أجلس مع صديق لي نتأمل في مسألة خلق الإنسان ...
فقال صديقي متعجباً !
يالقدرة الخالق عزَّ وجل ، كيف خُلق الإنسان من تراب ! ولا نرى في أجسامنا إلا لحماً ودماً وعظاماً !
كيف لخلقنا ان يكون أصله التراب ؟ يا له من أمر مُعجز ... كيف للعقل ان يتصور هذا الأمر ...
فقلت له ان الله على كل شيء قدير ، وهذا أمر يفوق قدراتنا العقلية ... ولن نستطيع ان نعرف تلك الكيفية ونحن نؤمن بهذا الأمر بما أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا به في صريح القرآن الكريم ...
توقف نقاشنا الى هنا ، حينما نادى المؤذن لصلاة العشاء ، فنهضنا وتوجهنا للمسجد ...
بعد تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة ، بدأ الإمام بقراءة آيات كريمات من سورة عظيمة " سورة الرعد " حتى وصل إلى قوله تعالى :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)
كان لتلك الآية الكريمة وقع عظيم في قلبي ... فبعد انتهاء الصلاة ، ذهبت الى المنزل و استمررت بترديد تلك الآية الكريمة دون توقف ...
وكنت عند نهاية ترديد الآية وفي كل مرة أقول :
ماء واحد ؛ بلا طعم ولا لون ولا رائحة نسقي به بذوراً من جماد، نضعها في التراب ، لتعطينا أشجاراً ونباتات بثمار متنوعة الأحجام والأشكال والأنواع والألوان والطعم والرائحة ... !!!
نظرت الى سلة الفاكهة الموضوعة على المنضدة أمامي ...
نظرت اليها ملياً متمعناً تلك التفاصيل وكأني انظر للفاكهة لأول مرة في حياتي ... !
موزة وتفاحة وبرتقالة وعنب أحمر وأخضر ..
وأحضرت كأسًا من الماء ووضعته الى جانبهم على المنضدة ، وتأملت كأس الماء وتلك الفواكه بأشكالها المتنوعة ...
ورددت الآية الكريمة مراراً وتكراراً ....
و استذكرت النقاش الذي دار بيني وبين صديقي بأن خلق الإنسان من تراب أمر صعب ان نستوعبه عقلياً !
وكنت غافلاً عن تلك الآية الكريمة وذلك الخلق العظيم ...
غفلت ان الله جعل لنا أية أمام اعيننا لنتفكر ونعقل ، ان خلق الإنسان من تراب وجعله لحم ودم وعظام ... أمر عقلي ومنطقي ... فالناظر الى تلك الفواكه والخضراوات بتنوعها بالشكل والحجم والطعم والرائحة واللون ،
مصدرها ماء واحد بلا طعم ولا لون ولا رائحة ...
سبحانك ربي ما أعظمك ... جعلت لنا خلقاً جميلاً مُعجِزاً أمام اعيننا، وآيات عظيمة لنتدبرها وتعقلها لنصل الى اليقين بقوتك وقدرتك على كل شيء ...
سبحانك ربي ما أعظمك ما عبدناك حق عبادتك ...
واستحضر ذهني اية عظيمة أخرى من سورة الزخرف ،
قال تعالى : " وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ " (11)
وتسألت متعجباً !
كيف للبشر ان يتسألو في أمر بعثهم ! وهم يرون أمام أعينهم جنات من نخيل وأعناب أنبتها الله سبحانه وتعالى من حب يابس وُضِع في التراب وسُقي بماء لا طعم له ولا لون ولا رائحة !!!
أفلا يتفكرون ، أفلا يعقلون ... لعلهم يهتدون ...
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ...
هذا والله تعالى أولى وأعلم .
د.أنور القبالي
هل أعجبك هذا المحتوى؟
اقرأ أيضاً من مقال
المزيد...

عيادة د.وافي ( قصة قصيرة ) / بقلم د.أنور سعيد القبالي
عيادة د.وافي بقلم د.أنور سعيد القبالي جلس وليد بجسده الهزيل على حافة الرصيف الواقعة أمام عيادة د. رؤوف، وكان يحاول حماية وجهه الشاحب من أشعة


رسائل إلى أمي … ( نيسان ، ماهي إلَّا أسماء ! ) بقلم د.أنور القبالي
رسائل إلى أمي … نيسان ... ماهي إلَّا أسماء! بقلم د.أنور القبالي كان خريفاً محت ملامحه غزارة الأمطار ، وصيفاً تجمَّدت مشاعره تحت ثلوج رمادية


رسائل إلى أمي … ( سِرُّ الخلود ) بقلم : د.أنور القبالي
رسائل إلى أمي … سِرُّ الخلود بقلم د.أنور سعيد القبالي منذ الأزل والإنسان يبحث عن سر الخلود ، ولكنه لم ولن يستطيع الوصول إليه ، لأنه حصر تفكي


رسائل إلى أمي … ( ما هي إلَّا لحظات ) ، بقلم : د.أنور القبالي
رسائل إلى أمي ، ما هي إلَّا لحظات… بقلم : د.أنور القبالي قد تكون الأشياء ... نفس الأشياء ، و لكن أنا من أضحيت أراها بطريقة مختلفة ! كنت أرى


رسائل إلى أمي … ( بحر الوعي ) ، بقلم : د.أنور القبالي
رسائل إلى أمي … بحر الوعي بقلم : د.أنور القبالي أتعلمين يا أمي أن فريقاً من الفلاسفة يقضون جلَّ حياتهم يبحثون عن الحكمة وعند اعتقادهم أنهم ق


رسائل إلى أمي … ( ولا تقربا هذه الشجرة ) ، بقلم : د.أنور القبالي
رسائل إلى أمي … و لا تقربا هذه الشجرة بقلم د.أنور سعيد القبالي كنت أجلس مع صديق لي نتبادل أطراف الحديث وكان يبدو على ملامح وجهه وطريقة كلامه